مقالات القسم "مقالات القراء"

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات القراء. إظهار كافة الرسائل


المقاطعة، بالتعريف، عقوبة تفرضها دولة ما، أو مجموعة من الدول، على دولة ارتكبت عملاً يُعدُّ من وجهة نظرها غير شرعي؛ فهي إذاً تدبير احترازي هدفه الضغط على تلك الدولة لتعديل سياساتها.

وقد وردت الإشارة إلى المقاطعة في ميثاق عصبة الأمم (المادة 16) التي تقول: "إذا أقدم أي عضو في العصبة على اللجوء إلى الحرب متخطياً ميثاقها، يعتبر مرتكباً عمل حرب ضد سائر أعضاء العصبة الذين عليهم أن يخضعوه فوراً لقطع العلاقات التجارية والمالية، وقطع جميع الاتصالات بين مواطنيهم وبين مواطني الدولة العضو التي تخطت الميثاق، ومنع جميع الاتصالات المالية والتجارية والشخصية بين مواطني الدولة العضو المتخطية الميثاق، وبين مواطني أي دولة أخرى أَكانت عضواً في العصبة أم لم تكن".

وفي ميثاق الأمم المتحدة الصادر في سنة 1945 (المادة 41) ورد ما يلي: "لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً، وقطع العلاقات الديبلوماسية".

وقد استخدمت عصبة الأمم المادة 16، أي المقاطعة، ضد إيطاليا بعد عدوانها على الحبشة في سنة 1935، وعلى الاتحاد السوفييتي غداة غزوه فنلندا في سنة 1939.


البدايات الفلسطينية
ظهرت المقاطعة في فلسطين كتعبير سياسي عفوي وشعبي معاً، في حقبة مبكرة، وبالتحديد منذ سنة 1909 فصاعداً، واتخذت شكل عدم بيع الأراضي من اليهود. ثم تطورت حركة المقاطعة إلى مقاطعة المتاجر اليهودية وعدم الشراء من محال اليهود.

ففي 26/1/1920 عقدت الجمعية الإسلامية – المسيحية في نابلس مؤتمراً وطنياً اتخذ، من بين قراراته، قراراً بتطبيق المقاطعة على الصهيونيين اليهود. ودعا المؤتمر الوطني الفلسطيني الخامس في نابلس (22/8/1922)، إلى المقاطعة التجارية وإلى عدم بيع اليهود العقارات، ومقاطعة شركة كهرباء فلسطين (مشروع روتنبرغ).

وفي 27/11/1929، عُقد في القدس مؤتمر شارك فيه مندوبون من فلسطين وسورية ولبنان والأردن، وهؤلاء أقسموا على منع بيع اليهود أي أراضٍ فلسطينية، وعلى مقاطعة المنتوجات اليهودية. وفي 9/3/1932، دعت اللجنة العربية العليا إلى مقاطعة معرض تل أبيب الذي استقطب فاعليات عربية كثيرة.

وفي 8/9/1937، عقد مؤتمر بلودان الذي شارك فيه ممثلون لمصر والعراق وسورية ولبنان والأردن وفلسطين، ودعا المؤتمر في بيانه الختامي إلى منع المنتوجات اليهودية من الوصول إلى الأسواق العربية.

لم تكن مقاطعة البضائع اليهودية ناجحة في مرحلتها الأولى (1920-1945)، وتمكن الاقتصاد اليهودي في فلسطين من تحقيق نمو متسارع من دون إعاقة إلا في الحدود الدنيا، وسجّل تفوقاً في ثلاثينيات القرن العشرين على الاقتصاد الفلسطيني، ومارس الصهيونيون مقاطعة مضادة من خلال تنفيذ سياسة "العمل العبري" بين 1920 و1924، أما في المرحلة الثانية (1945-1948)، فقد تبنت جامعة الدول العربية في 2/12/1945 المقاطعة رسمياً، وألَّفت لجنة دائمة للإشراف على تنفيذ قرار المقاطعة.

وبالفعل بدأت تلك اللجنة أعمالها في 5/1/1946، وجرى، لاحقاً، تأسيس المكتب الدائم للمقاطعة الذي اتخذ دمشق مقراً له. وفي المرحلة الثالثة (1948-1991) أصبحت مقاطعة إسرائيل جزءاً من سياسة جامعة الدول العربية، ولا سيما بعد صدور القانون الموحد لمقاطعة إسرائيل الذي صاغته الجامعة في 11/12/1945، والذي وضع نظام القوائم السود، وراح يُدرج فيها الشركات التجارية والبواخر وشركات الطيران والممثلين وشركات الإنتاج السينمائي وغيرها.


في الميزان
نجحت المقاطعة العربية في منع شركات كبرى من الاستثمار في إسرائيل. إلا أن اعتماد إسرائيل، ولا سيما في بداياتها، على المساعدات الأميركية والألمانية والفرنسية والبريطانية، عوض خسائرها الناجمة عن المقاطعة. وعلاوة على ذلك، اعتبرت الدول الغربية مبدأ المقاطعة نفسه متعارضاً مع حرية التجارة.

وقد عمدت إسرائيل في سنة 1965 إلى استعمال نظام المقاطعة المضادة. ومهما يكن الأمر، فقد تخلخلت فاعلية المقاطعة بعد توقيع أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في سنة 1979.

وكانت المقاطعة أحد جوانب العمل العربي المشترك والنظام الرسمي العربي، لكن هذا النظام انهار في سنة 1990 بعد دخول الجيش العراقي إلى الكويت وتسببه في حرب 1991.

وتهلهلت المقاطعة كثيراً بعد توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993. وحتى قبل ذلك كانت تُخرق بصور شتى؛ فكانت البضائع الإسرائيلية تشحن إلى قبرص أولاً، ثم يُعاد تصديرها إلى الدول العربية بعد وضع لاصقات عليها تؤكد أنها منتوجات قبرصية. ولاحقاً صار في إمكان المنتوجات الإسرائيلية أن تغمر الأسواق العربية، خصوصاً أسواق الخليج العربي، عبر الأردن، حيث كان يجري تغيير أغلفة المنتوجات في منطقة التجارة الحرة الإسرائيلية – الأردنية.


الطور الجديد
في سنة 2004، انطلقت "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل" (PACBI)، من مدينة رام الله. وفي 9/7/2005، أي في الذكرى الأولى لصدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في شأن الجدار العازل الإسرائيلي، صدر نداء "الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (BDS)، واختصارها بالعربية (م. س. ع.)، فالميم تعني "مقاطعة"، والسين تعني "سحب الاستثمارات"، والعين "عقوبات".

وقد تمكنت "اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة من عقد مؤتمرها الأول في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، وتجاوبت معها "حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان" التي فضحت الشركات الداعمة بالأسماء، ودعت إلى مقاطعة تلك الشركات، أمثال نستلة وماكدونالدز وكوكاكولا ومقاهي ستار بكس واستيه لودر وفيليب موريس وبيرغر كينغ وغيرها.

كان تقرير قناصل الدول الأوروبية في القدس ورام الله الذي صدر في سنة 2011 مفصلاً مهماً جداً في سياق حملة المقاطعة؛ فقد دعا دول الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع القدس الشرقية باعتبارها العاصمة المقبلة لدولة فلسطين، وأوصى بمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية، كالفنادق التي تستعملها الوفود الزائرة، وبالامتناع عن زيارة المواقع السياحية والأثرية التي يسيطر عليها المستوطنون، ومنع تصدير منتوجات المصانع الإسرائيلية في القدس إلى الدول الأوروبية، ومنع المستوطنين المتطرفين من دخول الاتحاد الأوروبي.

وكان لهذا التقرير أثر كبير في تطور عمل حملة المقاطعة، فقد أصدر الاتحاد الأوروبي في 30/7/2013 تعليمات للامتناع عن تمويل أو تعاون أو منح تسهيلات مالية أو دراسية أو بحثية أو أي جوائز لأي طرف إسرائيلي في المستوطنات، ودخلت تلك التعليمات إلى حيّز التنفيذ في 18/7/2013.

وفي اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة قبل انسحاب انكلترا)، في كانون الثاني/ يناير 2013، جرى التأكيد على حظر استيراد منتوجات المستوطنات الإسرائيلية البالغة نحو 400 مليون دولار سنوياً.

نتيجة لحملة المقاطعة الدولية، اتخذ صندوق المعاشات التقاعدية في سويسرا قراراً في آذار/ مارس 2010 بمقاطعة شركة "ألبيت" الإسرائيلية لدورها في بناء الجدار العازل، وببيع سنداته المالية في هذه الشركة.

وفي أيار/ مايو 2010، باع بنك دويتشه الألماني جميع أسهمه في شركة "ألبيت"، وسحب صندوق التقاعد النرويجي استثماراته في تلك الشركة في أيلول/ سبتمبر 2010. وفي هذا السياق، بدأت بعض المصانع الإسرائيلية في الضفة الغربية، مثل "صودا ستريم" و"بركان"، نقل معداتها من المستوطنات إلى أماكن أخرى لتفادي قرار المفوضية الأوروبية وضع لاصقات على المنتوجات تشير إلى أماكن إنتاجها.

وهكذا صارت إسرائيل في وضع حرج جداً، فإذا عملت على وضع لاصقات تشير إلى أن تلك البضائع منتجة في إسرائيل، فإن ذلك الأمر يعتبر تزويراً وخداعاً، وإن التزمت قرار المفوضية الأوروبية، فهذا يعني حرمان منتوجات المستوطنات التصدير إلى أوروبا.

علاوة على ذلك، تبنى اتحاد معلمي إيرلندا نداء المقاطعة، وأنهت جامعة جوهانسبيرغ في جنوب أفريقيا علاقاتها الأكاديمية بجامعة دافيد بن غوريون، وانضم عالم الفيزياء العبقري ستيفن هوكينغ إلى مؤيدي المقاطعة.

ولا ريب أن حملة المقاطعة الدولية ساهمت في إفقاد إسرائيل جزءاً مهماً من الرأي العام العالمي، خصوصاً بعد عدوانها على لبنان في سنة 2006 وعدوانها على غزة في سنة 2008. لكن إرهاب الجماعات الإسلامية أعاق هذا المسار ولو جزئياً.


أداة نضالية
استندت حركة المقاطعة إلى القانون الدولي في عملها التنفيذي وإلى مبادئ حقوق الإنسان. وفي المرات التي نجحت فيها حركة المقاطعة في تطبيق بعض جوانبها، فإن ذلك كان يعني تطبيقاً عملياً للقانون الدولي.

وعلى سبيل المثال، شددت حركة المقاطعة على أن اسرائيل دولة فصل عنصري (أبارتهايد). والفصل العنصري يعتبر، بحسب القانون الدولي، جريمة ضد الإنسانية. لذلك كانت إجراءاتها متعددة الوجوه لمعاقبة إسرائيل شأناً منطقياً في سياق هذا الميدان.

وقد اكتسبت حركة المقاطعة الدولية BDS حضوراً دولياً مهماً، وباتت تمثل النشاط الفلسطيني- الأممي الأكثر نجاحاً على المستوى الدولي، وتمكنت من التأثير في وعي كثيرين من الإسرائيليين الذين يعتبرون أنفسهم أوروبيي الثقافة، أو يشعرون بأنهم ينتمون إلى أوروبا.

ومهما يكن الأمر، فقد تحوّلت المقاطعة أداة نضالية في أيدي الفلسطينيين، وشكلاً مستحدثاً من أشكال التضامن الأممي مع الشعب الفلسطيني، مع أن تلك الحركة لا تعتبر منظمة مدنية NGO، ولا تعتمد على ممولين محددين ذوي أهدف سياسية.

صحيح أن حركة المقاطعة لن تستطيع تغيير الواقع السياسي، إلا أنها تساهم في دعم نضال الفلسطينيين في سبيل حقوقهم. وقد آذت حركة المقاطعة إسرائيل بقوة، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، الأمر الذي جعل الكنيست يصوغ قانوناً يجرِّم المقاطعة، ويجرم أي شخص يشارك في حملاتها، أي أن في إمكان السلطات الاسرائيلية تقديم كل من يشارك في نشاط المقاطعة إلى المحاكمة. وهذا الأمر ينطبق على فلسطينيي 1948 وسكان القدس بالدرجة الأولى. أما الأجانب فيمكن حرمانهم من الدخول إلى إسرائيل.

وفي الولايات المتحدة الأميركية حاول أنصار إسرائيل صوغ قانون يجرِّم المقاطعة فيحجب عن أية منظمة مدنية أو مؤسسة تؤيد BDS التمويل، ويتم إدراجها في اللوائح السود. لكن هذا الأمر يواجه مصاعب جمة منها أن تجريم المقاطعة يعني تجريم حرية الرأي.

في خضم هذه التطورات أعلنت الحكومة الاسرائيلية في حزيران/يونيو 2013 أن حركة المقاطعة باتت خطراً استراتيجياً يمكن أن يتطور ليصبح خطراً وجودياً. ووصف شمعون بيريز المقاطعة بأنها شكل من أشكال الحرب غايتها نزع الشرعية عن اسرائيل (8/6/2015).

واللافت، مع الأسف، أن حركة المقاطعة التي راحت تتسع بالتدريج في الميدان الدولي كان يقابلها ازدياد روابط اسرائيل الاقتصادية والعلمية والأكاديمية والثقافية والسياسية والعسكرية بدول أفريقيا وآسيا بما في ذلك بعض الدول العربية.

والمعروف أن كثيراً من الشركات الداعمة لإسرائيل ما زالت تعمل في عدد من الدول العربية، كما أن كثيراً من الشركات الداعمة لإسرائيل مازالت تعمل في عدد من الدول العربية، ومن الضروري إطلاق حملة لإقصاء هذه الشركات عن الأسواق العربية، ومنعها من التقدم إلى المناقصات، وتوقيع العقود التجارية.

وعلى سبيل المثال، ثمة شركتان فرنسيتان تنفذان مشروع القطار الاسرائيلي الذي سيربط مدينة القدس بالمستعمرات المحيطة بها، وقد رسى عليهما عقد إنشاء سكة حديد تربط مدينة مكة بالمدينة المنورة. والشركتان هما فيولا وألستوم. لكن شركة فيولا باعت أسهمها في مشروع القدس تفادياً لأي أضرار قد تلحق بها في الدول العربية، أما ألستوم فما برحت ماضية في أعمالها.


المقاطعة مقاومة
المقاطعة ومقاومة التطبيع تندرجان في سياق سياسي واحد. وكانت الحاجة إلى رفض التطبيع ومقاومته قد نشأت بعد أن وقعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل في سنة 1979. وهذه المعاهدة، علاوة على اتفاق أوسلو في سنة 1993 واتفاق وادي عربة في سنة 1994، أفسحت في المجال لتأسيس علاقات متشعبة بإسرائيل على المستوى السياسي (سفارات)، وعلى المستوى الاقتصادي (سياحة وتبادل تجاري)، الأمر الذي يجعل المجتمع المدني العربي يتولى بنفسه مهمة مقاومة التطبيع مع إسرائيل.

ومع ذلك لم تتبلور حركة المقاطعة إلا في سنة 2004 فصاعداً. والتطبيع يعني، في أبسط صوره، مشاركة الإسرائيليين في الحقول الثقافية والاقتصادية والسياسية، أو في ورش عمل أو مؤتمرات ثنائية، خصوصاً إذا كان هؤلاء الإسرائيليون ممن لا يتبنون الحقوق الوطنية الفلسطينية.

أما رفض التطبيع فيعني، في أبسط صوره أيضاً، عدم الظهور في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وعدم التعاون مع المؤسسات الأكاديمية أو الأمنية أو السياسة الإسرائيلية، ورفض الرواية الصهيونية عن النكبة الفلسطينية.

ولا ريب في أن رفض التطبيع لا ينطبق على فلسطينيي 1948 لأن المواطن في تلك الديار مضطر في كل يوم إلى التعامل مع المؤسسات الإسرائيلية، كالمدارس والجامعات والمستشفيات والوظائف... إلخ. وينطبق هذا الأمر جزئياً على الفلسطينيين في الضفة الغربية المضطرين قسراً إلى التعامل مع السلطات المحتلة في الشؤون اليومية.

وبهذا المعنى، فإن مقاومة التطبيع هي مهمة عربية وأممية بالدرجة الأولى. والمقاطعة لا تشمل الإسرائيليين، الذين يقفون إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني وهم كثر.

غير أن المشكلة تكمن في "الجلبيين العرب"، الذين نشتقُّ هذه الصفة لهم من أحمد الجلبي قيدوم الاحتلال الأميركي للعراق، وهؤلاء صاروا اليوم مثل عدس الشام على غرار مثال الألوسي وانتفاض قنبر وكنعان مكية، الذين شكلوا رأس حربة لمجموعة كثيرة العدد من "الجلبيين الجدد" من طراز كمال اللبواني وفريد الغادري وأنور عشقي وزياد الدويري ونجم والي وبو علام صنصال ونادية الفاني وفرحات مهني وجان بيار ليدو وعز الدين بن سويح.

ولهؤلاء العاشقين الجدد المغرمين بالإسرائيليين نكتفي بالقول: إذا كنتم مصرّين على ما أنتم عليه، فعلى الأقل امتنعوا عن القبلات والابتسامات البلهاء أمام الكاميرات!







دفن المسلمون في أمريكا الملاكم الشهير محمد علي يوم الجمعة 10 حزيران (يونيو) 2016 في احتفال مهيب وجنازة كبيرة شهدها الملايين في العالم، واحتفل المشاركون بشخصية أمريكية جميلة وأشهر أمريكي ومسلم في العالم. ومنحت جنازة الملاكم «الأعظم» المسلمين مساحة للتنفس والشعور بالفخر، فهم في حالة حصار منذ فترة طويلة، فلا تكاد الصحف وقنوات التلفزيون تخلو من تقارير عن إخراج مسلمات من مقهى لأن صاحبها لم يرتح لمحجبات يتناولن القهوة فيها. فيما أخرج مسافرون مسلمون من طائرات لأن أحد الركاب لم يعجبه شكل المسلم/المسلمة الجالسة إلى جانبه/جانبها أو لأن أحدهم سمع مسافرا يقول «إن شاء الله». بل وتعرض باحث إيطالي للمساءلة لأنه كان يحضر لورقة عمل في الرياضيات فشك الجالس بجانبه أن الرجل يعد رموزا لعملية إرهابية. والأمثلة كثيرة عن حالة الخوف والرهاب التي تعيشها أمريكا اليوم، وهي إن لم تكن جديدة ونتاج مرحلة ما بعد هجمات إيلول (سبتمبر) 2011 إلا انها زادت في السنة الأخيرة مع بدء أقبح حملة رئاسية في تاريخ أمريكا المعاصر وصعود الشعبوي اليميني رجل الأعمال دونالد ترامب الذي فاز في الانتخابات التمهيدية لحزبه الجمهوري وهو الآن المرشح المفترض له في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) المقبلة. ولم يتورع ترامب عن الإساءة للمسلمين والمهاجرين والهسبانو، ولم يسلم القضاة من أصول مسلمة ومكسيكية من نقده ودعا لمنع مسلمي العالم دخول الولايات المتحدة وبناء جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك. 
وفي هذا الجو المحموم الذي عاشه مسلمو الولايات المتحدة كانت لحظة محمد علي في وفاته وتأبينه فارقة ومهمة للإحتفال والفخر، إلا أن الفرحة لم تستمر، فجاء عمر صديق متين، الأمريكي الأفغاني الأصل، المولود في نيويورك وعكر صفو اللحظة وجو رمضان عندما قام في 12 حزيران (يونيو) 2016 باستهداف نادي «بالس» وهو ناد معروف للمثليين في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا وأطلق النار على محتفلين فيه وأردى 49 شخصا منهم قبل أن تتمكن الشرطة من ملاحقته وقتله. وكان يمكن أن تكون جريمة القتل أمريكية باقتدار، لأن جرائم القتل الجماعي معروفة ومرتبطة بانتشار السلاح وسهولة الحصول عليه. لكن متين قبل مقتله اتصل برقم الطوارئ (911) وأعلن ولاءه لـ «الخليفة» الغائب في مكان ما من الرقة أو الموصل أبو بكر البغدادي زعيم ما تطلق على نفسها الدولة الإسلامية في العراق والشام. ومن هنا تغيرت الرواية ولم تعد الجريمة متعلقة بالغضب أو بكراهية مجتمع المثليين «لزبيانز غيز بايسيكسول وترانزسيكسول» (أل جي بي تي) وتحولت إلى «الإرهاب الإسلامي» ونصح سفير إسرائيلي سابق في واشنطن ترامب باستغلال المسألة والتركيز على «إسم عمر صديق المسلم، وهذا سيغير السباق الرئاسي». صحيح أن مايكل أورن قال لاحقا إنه لم يكن بحاجة لنصح ترامب لأنه كان سيفعل هذا بنفسه، لكن الطريقة التي استغل بها المرشح الجمهوري المفترض جريمة قتل أدت إلى نقد عام من الطبقة السياسية في داخل حزبه وواشنطن. فقد هنأ نفسه في تغريدة على تويتر لأنه توقع حادثا كهذا وجدد يوم الاثنين دعوته لمنع دخول أبناء الدول التي تعاني من أزمات وحروب أهلية ـ مسلمة ـ الولايات المتحدة وهاجم الرئيس باراك أوباما الذي اتهمه بعدم تسمية الأشياء بأسمائها «الإرهاب الإسلامي المتطرف» ودعاه للإستقالة وفي هذا تلميح لتواطؤ القائد الأعلى للقوات المسلحة مع الإرهاب- أي الخيانة وعقوبتها الإعدام. وهي تهمة قبيحة لرئيس لا يزال في منصبه، ولم يرعو ترامب فهذه هي لحظته. فقد استفاد طوال حملته الانتخابية من هجمات تنظيم الدولة الإسلامية سواء في باريس وبروكسل وسان بيرنادينو- كاليفورنيا وخاطب القطاع الخائف من الأمريكيين وكان بالضرورة يعبر عن مواقفهم، والذين يشعرون بالخيبة من الطبقة السياسية في واشنطن المنفصلة عن الواقع. ولهذا رأى روجر كوهين في «نيويورك تايمز»(13/6/2016) أن المذبحة في أورلاندو تزامنت مع أزمة في أوروبا وأمريكا انتجت استعدادا للقفز نحو المجهول. ويمثل خطاب الكراهية الذي يقدمه اليمين ردا لهز الأوضاع. وقارب كوهين بين فعل متين والقومي الصربي- البوسنوي الذي أشعلت رصاصاته نار الحرب العالمية الأولى قبل أكثر من مئة عام. فرصاصات متين أعطت إمكانية لوصول ترامب إلى البيت الأبيض واليمين المتطرف في فرنسا لقصر الأليزيه وأخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد يكون السيناريو مبالغا فيه إلا أننا لا نستطيع التقليل من تداعيات الجريمة التي غابت تفاصيلها في الخطاب الغوغائي الديماغوغي الذي أطلقه ترامب. فلم يلتفت أحد إلى أن متين نفسه مختل نفسيا، ولم يسأل إلا قلة عن السبب الذي مكن متين من شراء سلاح متقدم مصمم للقتل بدون مساءلة مع أنه تعرض مرتين لتحقيق من مكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي أي» عام 2013 و 2014 الأولى بعد شكوى زميل له في المؤسسة الأمنية الكبيرة التي كان يعمل فيها من أن متين تحدث عن تعاطف مع الإرهابيين. وفي الثانية عندما حققت الشرطة عن صلته بانتحاري أمريكي نفذ عملية نيابة عن جبهة النصرة في سوريا. ورغم تأكيد الرئيس الأمريكي أوباما على أن متين استطاع تنفيذ عمليته بسبب قوانين حيازة السلاح المتساهلة في الولايات المتحدة وجدد دعوته لنقاش جدي وجديد حول الموضوع، والمعروف أن لوبي السلاح من أهم اللوبيات وهو مؤيد لترامب.

الإرهاب في البيت

ولم يلتفت أحد إلى ان الإرهاب قد يبدأ من البيت كما لاحظت مارغريت تالبوت في «نيوركر» (16/6/2016) ولفتت الإنتباه لدراسة كشفت عن علاقة العنف المنزلي بالمذابح الجماعية (حسب تعريف أف بي أي كل جريمة يقتل فيها أكثر من أربعة فهي مذبحة جماعية) وذكرت القارئ بالمزاعم التي ساقتها مطلقة متين الأولى سيتورا يوسفي التي قالت إنه لم يكن شخصا سويا وكان يضربها لأتفه الأسباب «لأن الغسيل لم ينته أو شيء من هذا القبيل» وقالت إنه كان يتحول من مزاج الفرح للعنف وكان يكره المثليين. فالجريمة في سياقها تظل جريمة كراهية قام بها مختل أو هكذا نفترض باستهداف مجتمع من المثليين مدفوعا بالكراهية لهم، مع وجود شواهد عن تردده على مسرح الجريمة أكثر من مرة وتعاطيه المخدرات. ولم تؤد هذه الشواهد لحرف النقاش عن الإسلام وفيما إن كان هجوم أورلاندو تعبيرا عن «إرهاب إسلامي متطرف» حسب ترامب أم «عنف متطرف» حسب البيت الأبيض وأوباما. وفضل اليمين الأمريكي التركيز على الإسلام والتلاعب بموضوع الإسلاموفوبيا.

خطاب متهور

ونقل ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» (13/6/2016) عن مسؤولين أمنيين قولهم إن خطاب ترامب المتهور هو أحسن هدية لتنظيم الدولة الإسلامية الذي يتهاوى في معاقله وتصريحات مثيرة للكراهية (إسلاموفوبيا) يطلقها ترامب وزملاؤه الأوروبيون تعطيه صارية النجاة وتقوي من مزاعم الجهاديين الذين يقدمون أنفسهم كـ»فرسان» يتصدون لتعصب الغرب. واتهم إغناطيوس ترامب بعدم فهم الخطر الحقيقي لتصريحاته التي لا تشجب أفعالا إرهابية يقوم بها أشخاص مثل متين أو تطالب بإجراءات أمنية مشددة، بل يجمع كل المسلمين في سلة. فماذا سيحدث عندما يتوصل المسلمون الأمريكيون أنهم مستهدفون كجماعة؟ وهو ما لا يفهمه المرشح الجمهوري الذي يرمي أعواد الثقاب في حوض من الكاز ويدعو في الوقت نفسه المسلمين للتعاون مع قوات الأمن، إلا أنه لا يفهم أن هجماته ضدهم جعلت إمكانية التعاون صعبة.
وما جرى هو تسييس شنيع لجريمة أمريكية ارتكبها أمريكي وبسلاح أمريكي وهو ما لاحظه تشارلس أم بلو في «نيويورك تايمز» (16/6/2016) حيث قال إن هجوم أورلاندو تم على يد وحش جبان وهو «وحشنا». «فالقاتل عمر متين، 29 عاما ولد ونشأ في الولايات المتحدة وقتل أمريكيين مستخدما بندقية أمريكية الصنع اشتراها بطريقة قانونية من محل أمريكي لبيع البنادق، رغم تعرضه مرتين لتحقيق على يد أف بي أي لمظاهر قلق تتعلق بالإرهاب». ويرى بلو أهمية في حرمان القاتل من الإنتباه الذي كان يرغب به وتركيز العدسات عليه أكثر من الضحايا الذين قتلهم وعائلاتهم. ومن المهم أيضا فهم الأجهزة التي سمحت بوقوع هذه الجريمة التي تظل أمريكية بكل المقاييس. وأضاف أن من التهور بمكان أن يتم حرف الإنتباه عن جريمة قتل إلى الجانب السياسي. فقد سيس القتل في أورلاندو حتى قبل ان يجف دم الضحايا. ويرى أن المهمة الآن هي التأكيد على عقد نقاش مخلص وحقيقي ومنعه من التحول إلى تأكيد المواجهة أو تشويه الحقائق. ويضيف «هذا فعل إرهابي محلي وجريمة كراهية ولكنها جريمتنا وتحتاج منا النظر في سياستنا- الخارجية وسياسة الحرب ومكافحة الإرهاب وسياسة حيازة السلاح، كما تحتاج منا مواجهة السموم الثقافية بما في ذلك الثقافة السياسية المسمومة والثقافة الذكورية المسمومة وتلك المعادية لمجتمع أل جي بي تي».

هل كان مثليا؟

وفي هذا السياق أشار إلى تصرفات متين قبل العملية: زيارته للنادي عدة مرات خلال السنين الماضية واحتفاظه بتطبيقات على هاتفه المحمول يحتفظ بها عادة الرجال الذين يريدون علاقات مع رجال آخرين. ويتساءل إن كان استهداف متين لهذا المجتمع يعكس حالته الشخصية وأزمته الخاصة. وتشير الدراسات إلى أن الشخص الكاره يحاول أحيانا التصرف بطريقة يقوم فيها بكبت مشاعره نحو الجنس نفسه. فإسكات الرغبة الجنسية في الشخص المثلي هي محاولة لكبتها في داخل الشخص القامع لنفسه وشهواته، وربما كان كل هذا صحيحا إلا أن المهم هو أنه قام باستهداف المثليين في مجتمعهم الآمن وفي ليلة احتفالهم «الليلة اللاتينية». ويعترف الكاتب ان المجتمع وإن كان لا يعامل المثليين بطريقة بربرية إلا أن الإحتقار موجود لكل شخص لا يتناسب مع قانون الطبيعة ـ رجل وامرأة ـ باعتبار ما يقوم بعمله خرق لتعاليم الله. وحتى يتغير هذا الموقف فسيظل مجتمع المثليين خائفا و«نعطي غطاء للمعارضات الظلامية يعبر عنها أشخاص مثل متين». ودعا الكاتب أيضا للنقاش حول حيازة السلاح من خلال تقييد أنواعه في أيدي الناس، فالسلاح المخصص للحرب يجب أن يظل في أيدي الجنود لا المواطنين. ويؤكد بلو في نهاية مقاله على ثمن السياسة الخارجية الأمريكية، سواء أكان هذا من خلال منع أو قصف المسلمين. ومحاولة مواجهة تهديد يشعل تهديدا آخر. والمجتمع المسلم الأمريكي مكون في غالبيته من أناس محبين للسلام، وكغيره من المجتمعات يحتوي على أشخاص بعقول ضعيفة تميل نحو العنف. والفرق اليوم هو أن هناك جماعات من الخارج تحاول التأثيرعليهم ودفعهم نحو التشدد ويجب أن نحاول منع هذه الجهود لا مساعدتها. وكان عمر متين وحش صنع في أمريكا وعلى المجتمع أن لا يسمح بظهور أمثاله. في النهاية تمثل مذبحة أورلاندو كما تقول مجلة «إيكونوميست» (18/6/2016) امتحانا لترامب فشل فيه. فهو لم يقم مثل جورج دبليو بوش بعد هجمات 9/11 بزيارة مسجد واشنطن لتطمين المسلمين الأمريكيين بل وأشعل ترامب الحرب. رغم أن المسلمين الأمريكيين على حد تعبير المجلة مبدعون ومتميزون ومتعلمون ومندمجون باستثناء الموجة الأخيرة من الصوماليين. وهناك تعاون بين المسجد و«أف بي أي» حيث أثمر التعاون عن إحباط العديد من المؤامرات الإرهابية. كما أن لديهم قابلية أعلى من المسيحيين الإيفانجيلكيين لدعم زواج المثليين كما ترى المجلة.


في ضوء الطروحات الأخيرة عن إمكان عقد مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية قريباً بدعم إقليمي ودولي، وعن مبادرات فرنسية ودولية في هذا المجال، في وقت عيّنَ فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غريمه عراب الصقورية والاستيطان في إسرائيل افيغدور ليبرمان (زعيم حزب إسرائيل بيتنا المتطرف) وزيراً للدفاع، وصرّح الأخير بأنه يؤيد مشروع الدولتين، مع أنه ما كان يتمنى في تصريحاته السابقة أيّ وجود للفلسطينيين في ما يسميه «إسرائيل الكبرى» (اريتز إسرائيل)، بما في ذلك معظم الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وتُطرح التساؤلات الكثيرة عما يجري بالفعل، وإذا ما كانت هذه الطروحات والمبادرات الأخيرة ليست أكثر من وسيلة إسرائيلية ـ دولية جديدة للتضليل والمراوغة وإضاعة الوقت، في وقت يقوم المستوطنون خلاله بأعمال شغب واعتداءات في القدس الشرقية.
وفي هذا السياق، تصدرُ مؤخراً كتب غريبة المصادر وغامضة هوية مؤلفيها وجنسياتهم، تتناول مواضيع الساعة في العالم العربي والإسلامي ويدعي مؤلفوها أنهم خبراء موضوعيين أو مستشارين حكوميين في الأوساط الغربية والعالمية، بينما تبقى الأسئلة مطروحة حول هذه الخبرات والهويات والموضوعية.
وبما ان الإسلام الجهادي هو موضوع الساعة، وقد كتب عنه الكثيرون في الغرب والشرق، فقد اختار مؤلف اسمه انطوان ـ جوزف عساف عنوان «الإسلام الراديكالي» لكتابه الصادر بالفرنسية عن دار «ايرول» في باريس في الأشهر الماضية.
الغلاف الخلفي لهذا الكتاب يشير إلى ان المؤلف إحتُجز كرهينة في لبنان في احدى المراحل، وأنه حائز على شهادة دكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية وعمل مستشاراً سياسياً ودفاعياً وقبطان سفينة حربية ومحاضراً في الكلية البحرية، من دون تحديد الدولة التي مارس فيها هذه النشاطات، ولكن المقصود الإيحاء بأنها فرنسا.
ولدى قراءة ما ورَدَ في الكتاب من المغالطات والأخطاء والإنحياز المفرط لإسرائيل ومواقفها، في سائر فصول الكتاب، فقد يتساءل القارئ كيف بإمكان السلطة الفرنسية استيعاب مثل هذه الآراء والمواقف لدى مستشاريها العسكريين وقادة سفنها الحربية؟
والسؤال الآخر: ماذا كان هذا الشخص المتعدد المهارات، والذي يحمل اسماً لبنانياً، يفعل في لبنان عندما احتجز كرهينة؟
ولكن، إذا حاولنا ترك الأجوبة على هذه الأسئلة جانبا الآن، فمن المهم التركيز على معرفة كيف يتناول الجانب الإسرائيلي موضوع الإسلام الراديكالي من خلال آراء هذا الكاتب التي تهيمن عليها المقاربة الإسرائيلية الليكودية الرسمية ومنطق رئيس الحكومة نتنياهو وأعوانه المتطرفين صهيونياً بالنسبة لموضوع الراديكالية والجهادية الإسلامية، وكيفية مواجهتها.
يتضمن الكتاب جزئين، يشمل الجزء الأول خمسة فصول والثاني ثمانية. وبين فصول الجزء الأول عن حرب لبنان الفصل الرابع. وفي الجزء الثاني فصل عما يسميه الكاتب «حرب اليهود في لبنان» وفصل عن الحرب السورية وآخر عن إيران ثم فصل عن قضية القدس ويسميها «القضية الصعبة» والفصل الأخير عن الإسلام الراديكالي من منطلقه المنحاز.
في هذا الفصل الأخير، يعتبر عساف ان دول المنطقة العربية ـ الإسلامية غير قادرة على احتواء وضبط الإسلام الراديكالي بمفردها، إذ أن الدول العظمى الكبرى تستخدم ضدها سياسة: «فرّق، تسُدْ» التي استخدمتها السلطنة العثمانية في الماضي وعليها القيام بخيارات أخرى. ربما يقصد التعاون أكثر مع إسرائيل.
ويقترح الكاتب على القيادة الإسرائيلية الحالية ان تقرأ الدور الذي يؤمن سلامتها واستراتيجية «بناءة».
ويرى ان من الخطأ استخدام القضية الفلسطينية للقضاء على إسرائيل كما سعى حسب قوله مفتي القدس الحاج أمين الحسيني الذي كان متأثراً (في رأيه) بالايديولوجية النازية ومعجباً بهتلر والذي التقى هتلر في تشرين الثاني/نوفمبر 1941 في برلين ثم كوفئ بنيله رتبة عسكرية بواسطة مساعد هتلر، هنريك هملر ،قائد الغستابو (ص 37 ـ 38).
إذاً، فتصح في هذا المجال مقولة «يُقرأ الكتاب من عنوانه» فالكاتب صهيوني الهوى، يسعى للتشهير، ولا عجبَ ان يتوصل إلى الاستنتاج في الفصل الأخير من الكتاب بأن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تحمي الأقليات فيها وفي المنطقة عموماً، وان الدولة الفلسطينية من غير الممكن ان تظهر إلى حيز الواقع إلا بعد موافقة إسرائيل على وجودها وعلى القالب الذي ستكون فيه.
أما ربط حماية إسرائيل للأقليات بقضية الحل الواقعي الأفضل لقضية انشاء الدولة الفلسطينية في هذا الكتاب فيمكن فهمه بأن الحروب بين الأقليات والأكثريات الدينية والأثنية في المنطقة ستستمر إلا إذا قررت هذه المجموعات العربية الخضوع للمنطق الإسرائيلي، والرضوخ لما يريده نتنياهو وأعوانه. وإذا حصل ذلك، فقد تساهم إسرائيل في الحرب ضد الإسلام الراديكالي وفي حملات احتوائه وإلا فستقف متفرجة.
وفي نظرة شاملة إلى الكتاب فإنه يشمل أفكاراً مبعثرة، تارة فيها تحاليل دينية تلمودية وأخرى تاريخية منحازة، وهي غير متواصلة فكرياً ومنطقياً وتساهم في تشويش القارئ ويشوبها عدم التعمق أو الموضوعية في التحليل وفي ربط الوقائع، مما يطرح مجددا الأسئلة والاستفسارات حول سجل المؤلف الفكري والسياسي وحقيقة هويته المبهمة ودوافعه خصوصاً انه يعرف نفسه بالفيلسوف.
والكاتب حامل الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية وفي الوقت نفسه مستشار عسكري في القوات البحرية وقائد فرقاطة حربية ورهينة في لبنان يحمل اسماً لبنانيا.
وبرغم الفصول الكثيرة في الكتاب فإن تحاليله للقضايا الأساسية مقتضبة، فهو يعتبر ان إسرائيل انتصرت في جميع الحروب التي خاضتها في المنطقة، ويبرر تواطؤ بريطانيا مع اليهود لدى تقسيم فلسطين، ويشكك في نية أي جهة راديكالية عربية إسلامية في محاربة إسرائيل، وينوه بشجاعة القادة العرب الذين هادنوا واتفقوا مع الدولة العبرية ويشكك في وطنية وواقعية الموقف العربي الموحد والوحدة العربية ـ الإسلامية لمواجهة إسرائيل.
أما الموقف الذي يؤكد ميول الكاتب الصهيونية المتطرفة فهو أنه لم يكتف باتهام الحاج امين الحسيني بالنازية، بل أشار إلى أن القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (الذي قال عساف أنه ينحدر عائليا من الحسيني) كان بدوره نازياً، وأنه خلال الحرب العالمية الثانية تدرب على أيدي ضباط ألمان من «الغستابو« (وآفن اس.اس) سعياً لتحقيق حلم الشيخ الحسيني لإنشاء مملكة عربية موحدة، وان انتماء عرفات إلى «جيش الجهاد المقدس» في عام 1946 لمحاربة المنظمات الصهيونية (الهاغانا والارغون) يندرج في تعاطفه مع النازية (ص 57). ويتهم الكاتب عرفات بإشعال الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975 ضد اللبنانيين المسيحيين المتعاطفين مع إسرائيل والساعين إلى توقيع اتفاق سلام معها (ص 62).
ويعتبر ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية لديها أجندة مخفية، وإذا انتجت القنبلة النووية فإنها ستهدد إسرائيل إلى درجة أكبر وتفرض عليها شروطها. وإيران في رأيه تسعى إلى الاستمرار في برنامج تسلحها النووي وبالتالي يدعو إلى الأخذ بالموقف الإسرائيلي الرافض كليا لأي انفتاح نحو إيران.
وبالنسبة لقضية القدس، يقدم الكاتب طرحاً «توراتياً» مناسباً للموقف الإسرائيلي، بدلاً من تناول الوقائع التاريخية والإنسانية بموضوعية، ويتحفظ إزاء قرارات الأمم المتحدة التي تمنع تحويل القدس برمتها إلى عاصمة لإسرائيل.
كما يتهم المفكرين الإسلاميين عموماً بالتمسك بالنصوص الواردة في كتبهم المقدسة وتعاليمهم وشريعتهم بدلاً من مجاراتها بالواقع! وهو اتهام ينطبق بالفعل على اليهود المتشددين اكثر من غيرهم.
وينبه المؤلف إلى خطورة اختطاف القضية الفلسطينية من قبل الساعين للقضاء على دولة إسرائيل والشعب اليهودي (كهتلر والمعجبين به).
من الواضح ان توجه هذا الكتاب، أقل ما يقال فيه، انه تضليلي، إذ انه يحاول استخدام بعض الوقائع وتبسيطها وخلطها مع مجموعة من الأفكار المنحازة للتوصل إلى نتيجة هي أن خلاص العالم العربي والإسلامي من التطرف الديني قد يتحقق إذا حسّنت الدول العربية والإسلامية علاقاتها بإسرائيل وقبلت طروحاتها وطلبت مساعدتها في مواجهة المنظمات الإسلامية الجهادية المسلحة وفي حماية الأقليات المقيمة فيها.
ولكن السؤال يُطرَح: إذا كانت إسرائيل بالفعل تحرص على حقوق الشعوب والأقليات التي تقطن الدول المحيطة بها فلماذا همّها الأول والأخير التوسع والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية وعدم التخلي عنها وبناء المستوطنات فيها والتعدي على مقدساتها؟

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.